الأربعاء , يونيو 19 2019
الرئيسية / آراء / نقاش تاريخي-سياسي في بيان “اتحاد علماء المسلمين” و “رابطة علماء المسلمين”

نقاش تاريخي-سياسي في بيان “اتحاد علماء المسلمين” و “رابطة علماء المسلمين”

من يعزل التدافعات التي تحدث بين إسلام المغرب السني وإسلام إيران الشيعي والإسلام الإخواني عن معطيات التاريخ والسياسة يفقد بوصلة الفهم بدون شك.

ويزداد الأمر صعوبة عندما يتم الإغراق في زوايا تقنية نقاشية تعطي الشرعية للخلفيات والمقاصد السياسية المخفية بعناء.

إن هذا التأطير التاريخي مهم بل وحاسم أولا لتأصيل النقاش حول الموضوع، وثانيا لأن اختزال الموضوع في جزئية تضمين الآذان طقوسا وثنية هو مصادرة مغلوطة على المطلوب لا بد من الإنتباه لها.

و لتكون الصورة أكثر وضوحا ودقة لا بد من توسيع الرؤية لتشمل كل أطراف الصورة.

فصدور بيان الإتحاد الذي يرأسه الريسوني والذي ينتقد فيها فعلا صدر عن أمير المؤمنين بالمغرب، عن دعوة بنكيران تياره إلى رفض التدريس باللغات حتى لو تم إسقاط الحكومة بالمغرب.

في الحالتين هناك وحدة موضوع وهي رفض الإسلام الإخواني لخطوات ذات طبيعة دينية هوياتية يقوم بها الإسلام المغربي الذي يعتبر نفسه “معتدلا ووسطيا” ويؤشر مؤخرا على ميولات تجديدية وإصلاحية رغم عدم وصول الوقت لتقييمها.

في الحالتين هناك تبادل للأدوار يتم بعناية مهمته مزدوجة فرض الوصاية على “الفرع” المغربي، و إحباط كل خطوات التجديد والإنفتاح الديني لخطرها على الرأسمال الديني للإسلام الإخواني و الشيعي كما سيأتي.

فاحتكار ورسملة الإسلام ليست مجرد شعار بل هو مدار السياسة والإقتصاد والثقافة وكل الميادين الأخرى.

لفهم هجوم اتحاد علماء المسلمين و هجوم تيار بنكيران الذي يعترف باستلهامه من فكر ابن تيمية، لا بد من العودة إلى تاريخين مهمين في التاريخ العربي-الإسلامي.

التاريخ الأول هو 132ه/750م # 144ه/762م

التاريخ الثاني هو 168ه/786م.

التاريخ الأول يعني محطتين إثنتين، تولي فرع بني العباس الحكم وسلبها من القرشيين آل البيت.

المحطة الثانية تمثلها “ثورة” محمد بن الحسن النفس الزكية في المدينة وأخاه إبراهيم بالبصرة ضد حكم أبا جعفر المنصور حول السلطة.

تصرف الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور بعنف كبير مع محمد بن الحسن وأخاه إبراهيم كما تجمع على ذلك كتب المؤرخين، و هو عنف مردود في عمقه إلى احتكار الدين أكثر من احتكار السلطة في ذاتها.

محمد بن الحسن النفس الزكية كانت له طموحات جامحة للسلطة وكان مدفوعا من قومه القرشيين آل البيت لذا سيوظف كل عناصر آل البيت في تقويض سلطة فرع بني العباس، أو على الأقل إقامة حكم مضاد.

في 786 سيقود الحسين بن علي بن الحسن المثلث ثورة كبيرة في معركة فخ في مكة شارك فيها إدريس أخ محمد النفس الزكية وعم الحسين بن علي بن الحسن المثلث قائد الثورة ضد فرع بني العباس.

انهزم فرع محمد بن الحسن النفس الزكية في المدينة والبصرة و مكة، فكان القرار بتدويل الازمة و الانتقال إلى مناطق جغرافية أخرى.

هنا كان القرار بالفرار إلى المغرب الأقصى وربما ما بعد البحر، ولهذا سينزل ادريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثني بن الحسن السبط بن علي بن ابي طالب أولا في طنجة قبل أن يستقر بقبائل أوربة ثم وليلي زرهون.

يوجد في كتاب علال الفاسي “الوثائق المجلد الأول ص 43” نص دال في شكل رسالة بعثها ادريس بن غبد الله الكامل إلى إسحاق محمد بن عبد الحميد الاوربي زعيم قبائل أوربة يطلب فيها حماية أهل البيت من بطش بني العباس ومبايعته لنشر الإسلام ببلاد المغرب الأقصى.

سيستجيب إسحاق الأوربي ومعه قبائل أوربة وصنهاجة و مصمودة وبني يازغة وورياغلة وغيرها…وستتشكل حركة واسعة ستسند حكم إدريس بن عبد الله الكامل ستسمح له بوضع النواة لإطار أكبر من تجمع قبلي وأقل من إيالة سيكون دستوره هو الإسلام والأعراف الأمازيغية.

إدريس إذن يحقق طموح محمد بن الحسن النفس الزكية الذي هندس تقويض سلطة بني العباس المحتكرة لدين الرسول محمد بن عبد الله.

والظاهر أن الإطار السياسي-الديني الجديد الذي أسسه أحد فروع آل البيت كجواب سياسي ضد احتكار فرع بني العباس للخلافة سيتقوى أكثر و سيكون إطارا مستقلا سيقض مضجع الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي سيبعث من يغتاله في العام 793م.

ولكن يبدو أن هذا الاغتيال السياسي-الديني لم يستأصل دعوة إدريس بن عبد الله الكامل حيث ستعمد القبائل مسنودة بالتزاماتها و برغبتها في الحفاظ على السلطة إلى مبايعة إبنه ادريس الثاني حاكما مع رفعه إلى مقام خليفة كجواب سياسي ضد بني العباس الذين اغتالوا ادريس الأب.

وهكذا فإعلان خلافة قرشية من آل البيت بالمغرب الأقصى خارج خلافة بني العباس ببغداد كان حدثا مميزا خلخل هندسة الخلافة العباسية كلها بل وشكل تمردا غير مغفور له سيتحول إلى صراع شرعيات دينية وتاريخية و مذهبية وأكثر إلى صراع استراتيجي تطور مع الزمن ليأخذ تجليا مركبا اليوم.

ويبدو أن المغرب الأقصى سيعيش هذا القدر وهذا الواقع الديني السياسي باستمرار و بصيغ مختلفة، إذ كلما عطل صراعا دينيا-سياسيا مع الإسلام الشيعي دخل في صراع آخر مع الإسلام الإخواني الذي يشكل بيان اتحاد علماء المسلمين أحد فصوله.

لماذا إذن اتحاد علماء المسلمين؟

تم تأسيس اتحاد علماء المسلمين من طرف ثلاث جهات دينية-سياسية معلومة هي قطر وتركيا و جماعة الإخوان المسلمين بمصر برعاية أمريكية متزامنة مع مشروع الشرق الأوسط الكبير، ولم يكن جزء من ورثة الجماعة الإسلامية وخصوصا السيد أحمد الريسوني وعبد الإله بنكيران والمقرئ أبو زيد و محمد الحمداوي بعيدين عن هذا التأسيس.

ولهذا تم عمل في العمق منذ 1992 لإختراق الإسلام المغربي من الداخل لولا أن دفتر تحملات الاسلام الوهابي ثم اختيار الاسلام الصوفي لاحقا أفشل هذا التوجه.

ومع توجه الملك بصفته امير المؤمنين إلى تجديد الدين الرسمي المعتمد منذ 2002 و بشكل مكثف منذ 2016 تطورت ردود فعل الإسلام الإخواني و أدواته بالمغرب لا سيما في كل تجديد يمس اللغات أو حقوق المرأة أو الطفل أو الهوية بشكل عام.

خطوة استقبال البابا في ذاتها لا تشكل خطرا على الإسلام الإخواني بل الخطوات التي ستليها هي ما تزعج هذا الاتحاد الإخواني الذي شرعن لقيام الدولة الاسلامية في بلاد الشام والحجاز (داعش)وهذه الخطوات تتعلق بما يلي:

– التأسيس لتربية دينية تنفتح على كل الأديان السماوية وليس فقط تربية إسلامية

– توسيع التسامح مع الحريات الفردية بما فيها حرية الاعتقاد

– التعامل مع السلوك البشري كسلوك نسبي وليس مطلقا وقطعيا

– الإقبال الكبير على النموذج المغربي المعتدل والوسطي واعتماده في المخططات السياسية الدولية ولدى عدد من دول إفريقيا وأوربا مما يعني انتصار الفرع على الأصل وبالتالي ضياع شرعية الثاني.

في المحصلة بيان اتحاد علماء المسلمين هو رد فعل استباقي يكشف تخوفا طبيعيا من تقدم النموذج الديني المغربي نحو العالمية عبر بوابة بابا الفاتيكان و العالم المسيحي، وهو ما يعني ضعف الاسلام الإخواني المتشدد، ومن هنا نفهم سر احتفاء الإعلام القطري والتركي بالبيان رغم أنه يمس سيادة دولة عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي.

عن سعيد جعفر

Avatar

شاهد أيضاً

السجن لطالب متطرف وصف الأمير هاري بأنه “خائن للعرق” بعد زواجه من ميغان

حكم على طالب جامعي متطرف وصف الأمير هاري بأنه خائن للسلالة والعرق وركّب صورة له …

اترك تعليقاً

error: