يونس التايب يكتب: خطاب العرش.. هندسة جديدة لمقومات الإصلاح

0 0

بينت مضامين نص الخطاب السامي الذي تم توجيهه، مساء يوم الاثنين 29 يوليوز 2019، بمناسبة الذكرى العشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس على العرش، وجود رؤية واضحة، وإرادة قوية، و وعي كبير بطبيعة العجز المسجل، و بحجم المؤهلات المتوفرة، و بالمعيقات المعقدة و الضاغطة، و بالتحديات المطروحة على بلادنا. كل ذلك يضع النخب و الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بوطننا، أمام تحدي التفاعل الإيجابي الهادف، الذي بإمكانه أن يهيئ الأجواء لتصل دينامية الإصلاح مداها و يتحقق المبتغى. فهل وصلت الرسالة؟، و هل تم استيعاب مضمونها؟، و هل تحقق لدى الأفراد و الهيئات و التنظيمات، وعي حقيقي بضرورة استثمار الفرصة الجديدة، لتصويب المسار و تصحيح الأخطاء و فتح الباب أمام شباب هذا الوطن ليكونوا جزءا من مستقبل مشرق و يستفيدوا من مرحلة جميلة موعودة؟.
أعترف أنه من السابق لأوانه تقديم أجوبة قطعية عن هذه الأسئلة، خصوصا وأنه لم تمر إلا أيام قليلة على خطاب العرش. وبالتالي، من المنطقي أن نترك بعض الوقت أمام “النخب و الفاعلين”، لنرى هل هم قادرون على منحنا مؤشرات نصوغ على أساسها أجوبة تأكيدية بأن لديهم “الإرادة و الكفاءة”، خصوصا منهم أولائك الذين هم في “المسؤوليات” و هم، من هذا المنطلق، أكثر من عليهم واجبهم التفاعل الإيجابي، و الانخراط القوي، و الفعل الهادف في الديناميكية الجديدة.
في انتظار ذلك، أتمنى من كل من يحملون غيرة على هذا الوطن، و كل من يملء قلوبهم حب المغرب، و يعشش في وجدانهم الأمل في رؤيته ينهض ويحتل المكانة التي يستحقها، و كل من يسعون إلى المساهمة في تنزيل كل الطموحات و تجسيدها على أرض الواقع، أن يعودوا لقراءة خطاب العرش، والتركيز في مضامينه و معانيه بشكل كبير، لأنه :
– يستند على “ركائز منهجية” تؤطر التشخيص و التحليل و الاستشراف.
– و يحمل “مفاتيح استراتيجية” لفهم تجليات و طبيعة المعيقات.
– و يقترح “المسارات التدبيرية” و “السلوكات” التي بإمكان اتباعها أن يؤدي بنا إلى التغلب على جزء كبير من تلك المعيقات.
و من بين فضائل الخطاب أنه ضبط النقاش بشأن “النموذج التنموي الوطني”، الذي تغنى به “الفاعلون” و “الخبراء”، خلال الأشهر الأخيرة، و لم نلمس منهم، إلا نادرا، وعيا حقيقيا بأن هذا “النموذج” المأمول، ليس “عصا سحرية” ستحل كل المشاكل بمجرد أن ننتهي من صياغته و الاتفاق على مضمونه. لذلك تم التركيز على أن ما يجب استيعابه هو أن “تجديد النموذج التنموي الوطني، ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو مدخل للمرحلة الجديدة”. و أن هذه “المرحلة” المأمولة و الموعودة ستكون “جديدة” لأن قوامها يجب أن يتأسس على “المسؤولية والإقلاع الشامل”. و أن “المرحلة الجديدة” يراد لها أن تكون “واعدة” لأن “ما يزخر به المغرب من طاقات ومؤهلات، تسمح لنا بتحقيق أكثر مما أنجزناه”. وأن ذلك ممكن لأننا “بالفعل، قادرون على ذلك”. و لكن الخطاب نبه إلى أن “المرحلة الجديدة، التي نحن مقبلون عليها، حافلة أيضا بالعديد من التحديات والرهانات الداخلية والخارجية، التي يتعين كسبها”. و هو تنبيه يعكس وعيا كبيرا بجسامة المسؤولية، و معرفة دقيقة بثنايا الواقع في أبعاده الوطنية و الدولية والجيوستراتيجية.
لذلك أتى تفصيل رهانات أساسية يلزم فهمها و التعاطي معها بشكل مغاير عما كان قائما حتى الآن، سواء في مسألة تدبير الشأن العام من طرف مؤسسات الدولة، أو في تفاعل المجتمع مع قضاياه و واقعه، أو في ما تبقى لهيئات “الوساطة السياسية” من قدرة على تقديم “اجتهادات” و “بدائل”، يتبين كل يوم أنها لم تعد تقنع حتى أصحابها.
و أول تلك الرهانات التي تحدث عنها الخطاب السامي هو “رهان توطيد الثقة والمكتسبات لكونها أساس النجاح، وشرط تحقيق الطموح”. و عندما تحدث جلالته عن الثقة، قصد بها “ثقة المواطنين فيما بينهم”، و ثقتهم “في المؤسسات الوطنية، التي تجمعهم”، ثم الثقة التي ترقى إلى مقام “الإيمان في مستقبل أفضل”.
و مسألة الثقة أساسية و استراتيجية بشكل لا حدود له. و ما تناولها في الخطاب كأول الرهانات، إلا تذكير جديد بأنه بدون الثقة لا يمكن أن نخلق التعبئة، و لا يمكن أن نضمن انخراط المواطنين في أي مجهود وطني، و لا أن نقنعهم بأن تخليق الحياة العامة ممكن. و موضوع الثقة، بالشكل الذي تم تناوله به، في الخطاب السامي، و في الظرف الزمني الذي تم فيه الحديث، و اعتبارا لرمزية الذكرى، يجب أن يستنفر ما تبقى من ضمير لدى كل من يعتبرون أنفسهم “نخبا” تسعى لتأطير المواطنات و المواطنين سياسيا، كما يجب أن يستفز إيجابيا الرغبة لديهم في تصحيح صورة العمل السياسي، و إصلاح صورتهم كأفراد لدى عامة الناس، من خلال جعل “واقعهم النخبوي” يطابق أقوالهم وتصريحاتهم المزهوة بالحديث عن “القيم”. و إلا فإن عليهم أن ينسحبوا من “مهمة التأطير السياسي” و مقام “الزعامة” و يذهبوا لتخصيص ما تبقى من أعمارهم للاستمتاع بما راكموه من ثروات و منافع لم يستطع أغلبهم إقناع “المناضلات والمناضلين، المؤطرات و المؤطرين” بنظافة مصدرها و لا بقانونية تحصيلهم لها، في ظرف زمني قياسي يوازي زمن تقلدهم للمسؤوليات التي هم فيها، و حصولهم على “ثقة” لم يقدروها حق قدرها. و ذلك موضوع فيه كثير من الكلام، سيأتي وقته.
و ثاني الرهانات التي حددها خطاب العرش، هو “عدم الانغلاق على الذات”. و هنا يجب أن نستحضر شجاعة الخطاب السياسي الملكي الذي حمل باستمرار، في محطات مختلفة، خلال العشرين سنة الماضية، دعوة متجددة إلى المواطنين بالانفتاح الشجاع و الواثق من رسوخ التجذر الحضاري للأمة المغربية و أركان هويتنا الوطنية بثوابتها كلها. و لأن الانفتاح الواعي و المسؤول، الذي ظل من أساسيات الفكر السياسي الذي حمله و دافع عنه جلالة الملك خلال العشرين سنة الماضية، لا يهم الشأن الثقافي الهوياتي و السياسي فقط، إنما يمتد إلى البعد التدبيري للدولة و برامج و مشاريع مؤسساتها. و في خطاب العرش تمت الإشارة إلى وجود ميادين “تحتاج للانفتاح على الخبرات والتجارب العالمية، باعتبار ذلك عماد التقدم الاقتصادي والتنموي، بما يتيحه من استفادة من فرص الرفع من تنافسية المقاولات والفاعلين المغاربة”. و ما على كل المعنيين فهمه هو أن “الانفتاح هو المحفز لجلب الاستثمارات، ونقل المعرفة والخبرة الأجنبية. وهو الدافع لتحسين جودة ومردودية الخدمات والمرافق، والرفع من مستوى التكوين، وتوفير المزيد من فرص الشغل”، و ذلك من منطلق أن “بعض القطاعات والمهن الحرة مثلا، تحتاج اليوم، إلى الانفتاح على الخبرات والكفاءات العالمية، وعلى الاستثمار الخاص، الوطني والأجنبي”.
و حتى يفهم القصد جيدا تم التأكيد على ضرورة أن يحصل لدى جميع المعنيين و الفاعلين، وعي بأن تعبير “العديد من المؤسسات والشركات العالمية، عن رغبتها في الاستثمار والاستقرار بالمغرب” هو أمر هام يجب أن نفتخر به، لكن مع الاعتراف بأن الدينامية التنموية لبلادنا تبين أننا لازلنا مكبلين بمجموعة من”القيود التي تفرضها بعض القوانين الوطنية”، كما أن الإيقاع العام للتدبير يظل ضعيفا بالنظر إلى طغيان “الخوف والتردد، الذي يسيطر على عقلية بعض المسؤولين”، بشكل يجعلنا غير قادرين على المبادرة، و لا يسمح بحدوث أي تجديد حقيقي في التعاطي مع مشاكلنا، لأننا في الحقيقية “في وضعية انغلاق وتحفظ سلبي”.
وهنا، أصر الخطاب السامي على واجب التنبيه أن “الذين يرفضون انفتاح بعض القطاعات” بدعوى “أن ذلك يتسبب في فقدان مناصب الشغل”، هم في الحقيقة “لا يفكرون في المغاربة، وإنما يخافون على مصالحهم الشخصية”، و يضيعون على بلادنا فرصا كبيرة يمكن للاستثمار الأجنبي في هذه القطاعات، أن “يدعم جهود الدولة، ليس فقط في توفير الشغل، وإنما أيضا في تحفيز التكوين الجيد، وجلب الخبرات والتجارب الناجحة”.
أما ثالث الرهانات فهو المتعلق بضرورة “التسريع الاقتصادي والنجاعة المؤسسية لبناء اقتصاد قوي وتنافسي”. رهان لن يتأتى تحقيقه إلا “من خلال مواصلة تحفيز المبادرة الخاصة، وإطلاق برامج جديدة من الاستثمار المنتج، وخلق المزيد من فرص الشغل”. و كذا “الرفع من نجاعة المؤسسات، وتغيير العقليات لدى المسؤولين”. وهنا مربط الفرس: العقليات. تلك “القوة الخارقة” التي تستعصي أمامها كل الطموحات الصادقة و كل البرامج الناجعة و كل الآمال الجميلة. و سيبقى تجويد التدبير العمومي رهين حل هذه المعضلة.
هنا، أيضا، حمل الخطاب رؤية رصينة عندما تحدث عن أن “القطاع العام يحتاج، دون تأخير، إلى ثورة حقيقية ثلاثية الأبعاد :
– ثورة في التبسيط،
– وثورة في النجاعة،
– وثورة في التخليق”.
و أن تلك الثورات لن تتحقق إلا من خلال:
“- تغيير وتحديث أساليب العمل،
– والتحلي بالاجتهاد والابتكار في التدبير العمومي”.
أما رابع الرهانات فهو رهان “العدالة الاجتماعية والمجالية لاستكمال بناء مغرب الأمل والمساواة للجميع. مغرب لامكان فيه للتفاوتات الصارخة، ولا للتصرفات المحبطة، ولا لمظاهر الريع، وإهدار الوقت والطاقات”. لذلك، من الحتمي أن يتم “إجراء قطيعة نهائية مع هذه التصرفات والمظاهر السلبية، وإشاعة قيم العمل والمسؤولية، والاستحقاق وتكافؤ الفرص”.
لكل ذلك أكد الخطاب على أن تحقيق نجاح “المرحلة الجديدة” يبقى مرتبطا بتوفير شروط أساسية و استراتيجية هي :
1 – “انخراط جميع المؤسسات والفعاليات الوطنية المعنية، في إعطاء نفس جديد، لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا”.
2 – “التعبئة الجماعية، وجعل مصالح الوطن والمواطنين تسمو فوق أي اعتبار، حقيقة ملموسة، وليس مجرد شعارات”.
3 – “انخراط المواطن المغربي، باعتباره من أهم الفاعلين في إنجاح هذه المرحلة”.
شخصيا أحمل تفاؤلا كبيرا بأن “المرحلة الجديدة” ستحمل بشائر جيل جديد من المشاريع، خصوصا و أن جلالة الملك ألح على أنها “ستتطلب أيضا نخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة، على مستوى المؤسسات والهيآت السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة”، ليتحقق “إغناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق”، بما يوفر “أسباب النجاح لهذه المرحلة الجديدة، بعقليات جديدة، قادرة على الارتقاء بمستوى العمل، وعلى تحقيق التحول الجوهري” الذي يأمله و يتطلع إليه كل المواطنون المغاربة.
بكل تأكيد في كل ثنايا الخطاب توجد “مفاتيح استراتيجية” لفهم المعيقات، و الوعي بأن هنالك أفقا إيجابيا ستتجلى معالمه قريبا. إلا أن الخطاب أوضح أيضا أن هنالك “جيوب مقاومة” و “عقليات محافظة” و “ممارسات تدبيرية متكلسة” تقف في وجه نهضة الأمة المغربية، و تستدعي التصدي لها. وهنا تبرز أهمية أن يتفاعل المواطنون بشكل واعي لدعم إرادة الإصلاح المعبر عنها، و تقويتها بانخراط مسؤول و متحمس و متفائل، بعيدا عن السلبية و التشكيك و التسفيه و الإنزواء عن المشاركة في سجالات الشأن العام.

اترك رد