الرئيسية / آراء / يونس التايب يكتب: طريق الإصلاح … و واجب حفظ ذاكرة كفاءات الوطن

يونس التايب يكتب: طريق الإصلاح … و واجب حفظ ذاكرة كفاءات الوطن

كثر الحديث عن نماذج سيئة في تدبير مؤسسات وإدارات عمومية، وعن الريع واستشراء الفساد في عدة قطاعات، وعن هدر المال العام وغياب مراقبة سلامة تدبير الصفقات العمومية في مجالس منتخبة. وكثر بموازاة ذلك، الحديث عن ضرورة الإصلاح والبحث عن الطريق التي توصل لتحقيقه. ولا شك أن التصدي لهذه الحالة أصبح أمرا مستعجلا، خصوصا وأن الناس قد أصابها الملل من كثرة أخبار الملفات والتقارير، وعشرات الحالات التي تنشر عبر الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وكثرة “لجان التحقيق” التي يتسائل الناس عن جدواها إذا كان عملها لا يؤدي إلى تحديد المسؤوليات والدفع في اتجاه المحاسبة عبر سلطة القضاء والعدالة.

ورغم ذلك، يبقى التحدي القائم، والذي على الجميع رفعه، هو أن ينجح مجتمعنا في كسر الحلقة المفرغة التي سجنت كل قوانا الحية وراء سياج من التردد، وأغرقتنا في هواجس التشكيك والتوجس، عوض دفعنا إلى القطع مع سلبية الخوف من المبادرة والإقدام، حتى نتقدم على درب الإصلاح الشامل ونعيد أيام عز وأمل، عشناها خلال العشرية الأولى من هذا القرن، حين كنا نحس أننا قاب قوسين أو أدنى من ولوج نادي الدول الصاعدة، قبل أن يبدأ الانحدار الرهيب إلى مستنقع الاستهتار بمقام المسؤولية العمومية، وشيوع الشعبوية والرداءة السياسية، وبروز نجم التافهين والغوغائيين وبائعي الوهم.

ويبدو لي أن الواجب، السياسي والأخلاقي والوطني، يفرض أن توازي عملية الإصلاح المنتظرة، عمليات أخرى لا تقل أهمية، ألا وهي واجب حفظ ذاكرة أصحاب الفعل الجيد في واقعنا، و تشجيع ثقافة الاعتراف، ورد الاعتبار للنزهاء وللكفاءات، وإبراز النماذج المضيئة في مختلف قطاعات تدبير الشأن العام، وإعلاء مكانتها لتصير أيقونات تنير الدرب للتائهين. وبكل موضوعية لدينا رصيد من المسؤولين المغاربة، من مستويات عليا أو متوسطة، لا زالوا يعملون بإدارات ومؤسسات مختلفة، لهم أثر طيب في النفوس، ملؤه الشهادة لهم بالكفاءة وخدمة الوطن، والنزاهة والاستقامة، وحسن الخلق، والحياء الكبير على سمعتهم من أن تتلطخ بأي إخلال أو تهاون. وعلى الغيورين على هذا الوطن، أن يستحضروا أيضا هذا الوجه المشرف من واقعنا، والذي يظل مغيبا، للأسف، في وسائل الإعلام التي اعتادت أن تتحدث عما لا يسير بشكل جيد، دون أن تلقي بالا لما هو جيد أو على أحسن ما يرام في واقعنا.

وتقتضي المسؤولية الأخلاقية أن نذكر الناس، وخصوصا الشباب، بأن الأمور لم تكن دائما بهذه التفاهة والرداءة التي نراها الآن، والتي يزيد البعض في تضخيمها أكثر مما هي عليه أصلا في الواقع. علينا أن نستحضر، ونذكر أبناء وطننا، بأنه إلى زمن قريب لم يكن الناس يقبلون على أنفسهم أن يكونوا فاسدين، أو أن يقال عنهم ذلك، ولا يطيقون رؤية أسمائهم في مقالات توثق مصائب تدبيرهم. وإذا حدث شيء من هذا، وقد حدثت بالتأكيد بعض الحالات، كان من المستحيل أن ترى المعنيين يمشون في الشارع أو يجلسون في المقاهي، ويقابلون الناس وهم يضحكون بدون حرج من سوء ما يفعلون، وكأن لا أحد يعرف حقيقة روائح فضائحهم وسوء سلوكهم. بالدارجة “الناس كان عندها الوجه علاش تحشم…”، و كانت تغار على عرضها وعلى سمعتها ولا تقبل الجري البئيس والدنيء نحو المغانم بدون وجه حق.

إذا قمنا بهذا المجهود التوعوي، الذي نحفظ فيه ذامرة أصحاب الفعل الجميل، سنحيي الأمل وسنرفع من وعي الناس بأن المعركة ضد العبث و “التخربيق”، ليست مستحيلة، ويمكن الفوز فيها بشيء من الحزم والعزم والصرامة، خصوصا وأن ذكريات ذلك الزمن الجميل ليست ببعيدة عنا، و غالبية الناس تحن لقيم تراجعت في واقعنا. ولعل ما يعزز هذا القول هو أنه أصبح من الشائع عندما نذهب إلى إدارة تابعة لوزارة من وزارات بلادنا، أن يكون من بين ما يتم الحديث بشأنه مع الأصدقاء العاملين هنالك، تذكر “أيام العز” في تدبير و تسيير المرافق العمومية، حين كانت المسؤولية بقدرها، وكانت المناصب تمنح على أساس الكفاءة، ولم يكن ممكنا، باستثناءات قليلة، أن تصل لمنصب رئيس مصلحة أو قسم أو منصب مدير أو كاتب عام لوزارة ما، إلا إذا توفرت فيك القدرة على إحداث الفارق، وتقديم إضافة يعترف لك بها مرؤوسوك أولا، وشركاء ذلك القطاع ثانيا، والمواطنون ثالثا.

والغريب أن خاصية “الكفاءة و التميز والمصداقية والوقار”، لم تكن تعني أصحاب المسؤولية في قطاع بعينه، إنما كانت حالة نجدها في عدد من القطاعات الوزارية. ولعل أطر الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية، يتذكرون جيدا حقيقة هذا الأمر، حتى وقت قريب جدا، في قطاعات المالية، والتجهيز، و العدل، و الفلاحة، والتعليم، والداخلية، والصناعة، والسياحة، والصناعة التقليدية، والثقافة، والإعلام… وقطاعات أخرى كثيرة. ولا زال الناس يستحضرون أسماء مسؤولين تميزوا بكفاءة كبيرة وبخصال إنسانية راقية، حتى كان مجرد ذكر أسمائهم، أو مقابلتهم صدفة في بهو الإدارة، يفرض حالة من الانضباط والتركيز بسبب الاحترام والهيبة والتوقير الذي استحقوه من لدن الجميع لما يعرف عنهم من نزاهة وتجسيد لمستلزمات المسؤولية العمومية.

أما حضور اجتماعات تقنية، برئاسة بعض الأسماء، فكان يعتبر شرفا كبيرا للأطر، لما يشكله ذلك من فرصة حضور نقاش رصين والاستماع لتوجيهات سديدة، يعتبرها الحاضرون دروسا عملية في التسيير، وفي التواصل، وفي تدبير الأزمات، و في تأطير حالات الاستعجال … إلخ. حتى كان من أسباب التفاخر بين الموظفين والأطر، في نفس الوزارة أو بين وزارة وأخرى، أن يقول المرء “فلان هو مديري”، أو “علان هو الكاتب العام”، فيرد عليه الآخرون بعبارات تؤكد قوله وتزكيه، أو يغبطونه على ذلك الحظ الجميل.

وكثير من الناس لا زالوا يتذكرون لحظات مهيبة، شهدتها مقرات ولايات وعمالات، ووزارات ومؤسسات و إدارات عمومية، يوم عملية “تسليم المهام” بين مسؤول وآخر، حيث التأثر الصادق، وهمسات وتعابير حزن تصدر بعفوية. وكم وثق الناس من مواقف كان فيها كل من في تلك القاعات يصفقون بحرارة، تنويها بمسؤول مغادر ومحتفى به، إلى درجة مؤثرة جدا، تشهد على كم المحبة والاعتراف من طرف المرؤوسين والزملاء. كان ذلك زمن خاص، للناس فيه قيم ينضبطون لها. يحترمون أنفسهم، ويحترمون القانون والأنظمة، ويحبون غيرهم من أبناء هذا الوطن، ويحسنون التعامل مع مواطنين لهم حاجات لدى الإدارات المختلفة.

و أنا أقول هذا الكلام، أستحضر بقوة أسماء كثيرة لنساء ورجال أكفاء ووطنيون، يبلون البلاء الحسن في تأدية مهامهم، وكثير منهم يشتغلون بصمت في مواقع مختلفة، ويحاولون الصمود أمام الرداءة، ويجتهدون لتحريك دينامية تحديث وعصرنة أداء مؤسسات الدولة، وهم في تحدي مستمر ضد ضغط جدار التهميش المفروض عليهم لاعتبارات متعددة منها ما هو سياسوي وحزبي ضيق، أو ما يدخل في باب السلوك المرضي الصرف المرتبط بالتنافس غير الشريف والحسد والكره المجاني.

المهم، لا يزال بيننا من يدافعون عن المصلحة الوطنية و عن قيم الكفاءة وسمو القانون، ومن لهم تشخيص واضح لأسباب التراجع و العجز، كما لهم رؤية استراتيجية لتجاوز كل ذلك والسير إلى الأمام. أولائك نفتخر بهم، وعلينا واجب إبرازهم وتسليط الضوء على ما يقومون به، باعتبارهم نماذج ناجحة، نرجو أن يطيل الله في أعمارهم بصحة وعافية وحفظ من كل سوء. أما من خدموا هذا الوطن ومواطنيه، بصدق و تفان، والتحقوا بالرفيق الأعلى، فعلينا أيضا استحضارهم وتكريم ذكراهم والدعوة لهم بالرحمة التامة، والمغفرة وجنة الخلد. ولنا جميعا، وللوطن قبلنا، صادق العزاء في فقدان كل الكفاءات الوطنية العالية المستوى.

عن يونس التايب

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدولي المغربي أمين حاريث يفوز بجائزة لاعب الشهر في البطولة الألمانية

فاز الدولي المغربي أمين حاريث لاعب فريق شالكه 04 الألماني، يوم امس الجمعة، بجائزة أحسن ...

error: