نوال فهمي تكتب: ميثاق الكريم.. تكتب مرثية جنوب حزين

0 267

الحزن ينبت جنوبا.. رواية بطعم الشعر، للروائية والشاعرة ميثاق الكريم الركابي.. وأنت تقرأ روايتها تجد نفسك تبحر في أعماق الحضارة العراقية بكل تفاصيلها، فالعراق تاريخ الحضارات.. بابل، آشور، أكاد، سومر..بلاد ما بين النهرين، بلاد الشعر والشعراء والرسامين والنحاتين.. فكيف لا تلد لنا شاعرة بنكهة الجنوب، بصوت شجي، يحمل آهات النساء العراقيات وكل النساء في المجتمعات العربية.

رواية الحزن ينبت جنوبا.. تجسيد لمعاناة المرأة من قهر المجتمعات المشرقية، من تقاليد وعادات واديولوجيا استطاعت أن تهيمن عليها وعلى ثقافتها وأحاسيسها وأحلامها، خصوصا في مناطق تفتخر بعصبيتها وذهنيتها الذكورية والتي تختزل المرأة في جسدها.

تبدأ ميثاق الكريم رحلة المعاناة هذه من واقع الجنوب، مع بطلة روايتها وهي تحكي قصتها.. قصة الفتاة الجنوبية، جنوبا.. حيث كل مظاهر الهيمنة الذكورية التي تقص أجنحة الحلم الأنثوي.

حياة، الفتاة العاشقة في زمن الحداثة، لكن داخل مستنقع من الجهل الذي يرى في عادات وتقاليد عشائرية قوانين مقدسة لا يمكن مسها.. عشقت البطلة عبر مواقع التواصل رجل حياتها، رجل متزوج يعشقها هو أيضا لكن القدر لم يكن بائع ورود للعشاق، فبينها وبينه مسافات لا تقاس بالزمن، بل بثقافة رجعية وتقاليد مجتمعية متحجرة ومهيمنة في جنوب بائس وحزين.. لكنها في لحظة قررت البحث عن الفرح، تاركة وراءها كل مظاهر الحزن غير عابئة بما يمكن أن يحدث.. فالحياة جميلة وتستحق أن تعاش بعمق.

فبعدما حاولت التعايش مع قدرها بأن ترض بوضع هي لم تختره مع زوج فرض عليها، تقرر التمرد على هذا الوضع الذي لا يليق بها، لا يليق بعاشقة محبة للحياة.. ولربما تذكرنا هنا برواية آنا كارنينا للروائي ليو تولستوي عندما ألقت بنفسها بين عجلات القطار. تهرب حياة إلى بغداد، بغداد.. عبق التاريخ، بغداد..مدينة الشعر والفن والموسيقى.. مدينة الحب، وهي لا تريد أكثر من حب يفرغها من كل القهر الذي ترعرت فيه.

وهنا يعلو صوت ميثاق كملحمة شعرية تحمل بين كل كلمة وكلمة أساطير عشق من زمن الحب. لكن سفن العشق هاته كانت أضعف من أن تقاوم رياح القدر. فبعدما كانت حياة تستمد قوتها من حبيب خذلها وسط الطريق، قررت إنهاء هذا الحب..”فالحب لم يخلق لأشباه الرجال” كما تقول روائيتنا، وهي لا تؤمن بأنصاف الحلول، ولا بأنصاف العشاق. هي التي استطاعت أن تمزق عباءة الجهل والقهر التي عاشت تحتها في بيت عمها الذي هو بيتها في الأصل وتلك قصة أخرى..قادرة أن تتجاوز معركتها الخاسرة هذه، لتحلق كطير جريح نحو حياة أفضل، فبعد كل هذه الآلام وهذه الخيبات هي تستحق الحياة.

وهنا تنقلنا روائيتنا مرة أخرى إلى عبق التاريخ، إلى الحضارة السومرية.. لتمنح بطلتها الحياة من جديد، حيث وجدت حياة حبها الحقيقي.. آمان الذي وهبها الأمان، وعبد لها طريق الحياة بالحياة..لكن القدر كعادته يعود بمكره لكي ينتزع منها الفرح ويهديها مكانه الألم مرة أخرى، حين امتزجت رائحة حبهما برائحة المرض..فتعود في النهاية إلى الناصرية وهي تجر خطاها بعدما كانت تتنفس عشقا وحياة، تتنفس الآن حزنا بطعم الخيبة.

لم يكن اختيار اسم حياة من باب الصدفة، إنه المكر الأنثوي لروائية عصية، متمردة لا تقبل الهزيمة، فبعد أن جعلت القارئ يسافر معها في رحلة المرض هذه وهو ينتظر موت هذا الحب السومري، تعود لتمنح الحياة مرة أخرى لهذا الحب وتفتح أمامه نافذة الأمل من جديد.. تعود لتمنح حياة.. الحياة، وكأنها تقول لنا بلغة درويش أنه مازال على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

الحزن ينبت جنوبا.. ليست رواية فقط، هي صرخة امرأة.. صرخة كل نساء المجتمعات العربية التي لازالت تعيش في جلباب الجهل.

اترك رد